نحن والتجربة التركية(2)

erdogan_5_s-jpg20130616195907-jpg20130616200648.jpg

تعقيبا على الحلقة الأولى من هذا المقال، اعترض عليّ -هاتفيا- أحد وجوه الفكر والسياسة الأتراك وقال: إننا نتابع كل ما تكتب، وقد لمست في مقالتك الأخيرة تحيزا لنا، فقد أحسنت الظن بنا كثيرا وذكرت إيجابياتنا ولم تذكر سلبياتنا! قلت له: وكلامك هذا يدعوني لأن أتحيز لكم أكثر.

نعم، أنا أعلم أنه لا توجد تجربة بلا سلبيات، وهذا أمر بديهي ومفروغ منه، بيد أني هنا لست بمقام محاكمة التجربة التركية، فالعنوان لا يتضمن هذا وإنما يتضمن ويتطلب تقويم التجربة العربية مقاربة مع التجربة التركية، وأن نقتبس منها ما يمكن أن يعيننا على الخروج الآمن وبأقل الخسائر من مآزقنا المعقدة والمتراكمة.

تعرفت على تركيا وتجاربها منذ ما يقارب العقد والنصف من الزمان، وتداخلت مع الكثير من روادها والمؤثرين فيها من شتى التوجهات، ولم تمر سنة واحدة إلا وأنا مشترك معهم في أكثر من ورشة أو ندوة أو لقاء ثقافي بشكل من الأشكال، وهم حقيقة يحبون الحوار ويجيدون الإصغاء، ولا أنسى هنا لطيفة حدثت معي، حيث استضافتني قناة تركية في أحد برامجها المعروفة، وكان الموضوع حول (المشروع الإيراني)، وكنت أظن أن البرنامج ساعة واحدة كما هو معتاد، ولما سألت الأخ المقدم أثناء الفاصل قال: الوقت مفتوح لكم حتى نكمل كل محاور الموضوع، وفعلا استمرت الحلقة هذه على الهواء مباشرة لثلاث ساعات وثلث!

إن الشعب التركي عموما لا تستهويه الأسماء والألقاب، ولا يهتم بالقضايا الشخصية، والمناكفات اللفظية، ولا حتى الولاءات الأيديولوجية، بقدر ما يهتم بالإنجازات العملية على الأرض، فهذا هو المعيار الأساس لديهم، ولذلك تأتي النتائج مخالفة للكثير من توقعاتنا المبنية أساسا على الولاءات الحزبية أو التأثر العاطفي بالخطابات التعبوية والعاطفية، وسأضرب لذلك بعض النماذج:

الرائد الأكبر لهذه التجربة هو الأستاذ نجم الدين أربكان، والذي كنت أتابعه منذ بداية التسعينيات وأعجبت بتجربته، وكنت أختلف مع أستاذي أبي القيم الكبيسي والذي كان ينتقد مشاركته السياسية فيقول:

ارم البطاقة أربكان فيها المذلة والهوان

فكنت أرده ممازحاً:

نجم الدين الأربكان ثائر ثائر كالبركان

لقد تقلب هذا الرجل في العمل السياسي بصورة لا يستوعبها العقل العربي بسهولة، فهو مؤسس حزب (النظام الوطني) ثم (السلامة الوطني) ثم (الرفاه) ثم (الفضيلة) ثم (السعادة)، ومرة يدخل السجن ومرة يحظر من العمل، ومرة ثالثة يشارك في الحكم، يدخل الانتخابات فلا يحصل إلا على %2 فقط، ثم يفوز بالأغلبية ويشكل الحكومة، ثم يتراجع إلى %2، هذا من حيث صناديق الاقتراع، أما محبة الناس له وشعبيته فهي أكبر بكثير من ذلك، ولا أدري حقيقةً أأعجب من قدرته هذه على المناورة؟ أم أعجب من شدة متابعة الجماهير له وهو يطل عليهم كل يوم بعنوان؟

الشعب التركي هنا يفصل بين محبته لأربكان، وبين الأداء السياسي المتوقع لحزبه في هذه المرحلة أو تلك، ولا يخلط أبداً بين هذا وذاك، فصناديق الاقتراع تحاكم الأداء السياسي المتوقع فقط ولا علاقة لها بالحب والكره ولا الولاء والبراء أبدا، وقد كان يوم وفاته أشبه باستفتاء شعبي على محبته لا مثيل له في تاريخ تركيا كله.

النموذج الثاني هو شخص رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان، وهو من عائلة فقيرة جدا، وكان في الابتدائية والإعدادية يبيع كعك (السميط) ليوفّر حاجاته ومتطلبات دراسته، ثم دخل معهد (الإمامة والخطابة) ثم كلية (الاقتصاد والأعمال) ثم التحق بالأحزاب التي شكلها أربكان، ثم انشق عن (شيخه) مع مجموعة كبيرة من الشباب من بينهم الرئيس الحالي (عبد الله غول)، ثم شقوا طريقهم عبر (العدالة والتنمية) المنافس الأشد والأقوى للتجربة الأربكانية! وصولا إلى الأغلبية الساحقة والفوز بمقاليد الحكم!

في ثقافتنا العربية يصعب علينا أن نتصور إنسانا واحدا يجمع في آن واحد بين محبته للشيخ والمعلم وبين خذلانه له في التصويت والانحياز إلى تلميذه المنشق عنه! إلا إذا تصورناه نوعا من النفاق وازدواجية ذي الوجهين، ولكن الثقافة التركية عموما تعد هذا أمرا طبيعيا ولا غبار عليه دينيا ولا أخلاقيا ولا سياسيا.

أذكر بهذا الصدد لطيفة غريبة، حيث دعاني أحد الشباب الأتراك منذ شهور للحضور في أسرة تربوية لجماعة (السعادة) في منطقة (العمرانية)، فقلت له: أنت ما علاقتك بهم؟ قال: أنا كنت واحدا منهم وعضوا في أسرتهم، ثم اخترت الانضمام إلى (العدالة والتنمية) لكنهم ما زالوا يدعونني في الكثير من لقاءاتهم ويشركونني في الكثير من مشاوراتهم وفعالياتهم! استجبت لدعوته وكان لقاءً جميلاً ولم ألمس أية إشارة منهم أنهم يتعاملون معه كمنشق أو مخالف، تأكدت مرة أخرى أن هؤلاء القوم يتركون الخيار لكل فرد بحسب قناعته ولا يتدخلون في النوايا، فهذا حق شخصي ليس لأحد سلطة في منعه أو تقييده، هذه ثقافة عامة عندهم وهي غريبة عندنا بلا شك.

أما النموذج الثالث فهو فتح الله كولن، الشخصية الأبرز المثيرة للجدل الآن في تركيا، والذي توصف جماعته اليوم بأنها (دولة داخل الدولة)، حيث تتبعها المئات من المدارس والجامعات والمستشفيات والبنوك ومؤسسات (الخدمة) التي لا حصر لها، إضافة إلى امتداداتها داخل المؤسسات الأمنية والقضائية، وتمددها خارج تركيا في الكثير من دول العالم، فلها مثلا ما يزيد على المائة مدرسة في الولايات المتحدة الأميركية وحدها!

حركة كولن انبثقت أو (انشقت) عن جماعة النور، بقيادة جديدة ومنفصلة، وهي لا تتدخل في السياسة تدخلا مباشرا، لكنها تحقق أغلب أهدافها من خلال تحالفاتها البراجماتية مع مختلف الأطراف، ولا يعترف زعيمها بالمجال العربي أو الإسلامي، ويعتقد أنه قد يكون مؤذيا لتركيا، ولذلك انتقد (مجموعة الثماني) التي أسسها أربكان، ثم انتقد أيضا (أسطول الحرية) المساند لغزة، وحذّر من جر تركيا إلى صراع مستعجل مع إسرائيل.

هذا الرجل لا يقيم في تركيا، بل هو مقيم منذ سنوات طويلة في ولاية بنسلفانيا الأميركية، ومع هذا يمارس كل هذه السلطة على أتباعه، ولا أعلم حالات تمرد أو التفاف على نفوذه هذا داخل الجماعة، وقد التقيت قبل سنتين تقريبا بأبرز قياداته وهو رجل كبير وغير متزوج، وقد خبرني أحد المقربين منه أن السيد كولن منعه من الزواج لكي يتفرغ لخدمة الحركة!

ومع كل هذا النفوذ لكنه في خلافه الأخير مع أردوغان لم يؤثر في شعبية أردوغان السياسية على خلاف ما كان يتوقعه الكثير من المراقبين.

هناك أسئلة كثيرة لا نجد لها تفسيرا وفق منظومتنا الثقافية والسلوكية والنظرة عندنا للموافق والمخالف، إنها تجربة من عالم آخر لا يشبهنا ولا نشبهه، وإني هنا لا أجلد الذات، ولا أدعو للاستنساخ، لكنني أدعو لدراسة التجربة والاستفادة منها فقط.

لا أنسى هنا أن محدثي قد ختم محادثته معي بقوله: أرجوك لا تنتقد تجارب الجماعات عندكم، لن يستفيدوا أبداً من النقد، وسيهاجمونك فقط.

أتمنى من قلبي أن يكون محدثي قد أخطأ في قراءته لواقعنا، فكل بني آدم خطّاء.

مشاركة المقال :