حديثٌ مع النفس !

lost_in_my_mind_258275.jpg

وجدتني أقرأ القرآن فأزداد تمرداً, وأنظر إلى الكون فأعشق التمردَ. لم أستطع أن أتوافق وأتصالح مع جُلّ الأفكار السائدة, لقد ذقت التمرد مرة ففطمت نفسي عليها أبداً. بدأ عقلي بعدها يعمل ذاتياً كفلتر داخلي, يتوقفُ كثيراً ويتأملُ حتى لتجدن أشدَّ الأفكارِ تزدادُ ألماً لتُقنعني .. ضاربتُ هنا وهناك وناقشتُ هذا وذاك, حتى لامستُ غربتي بخشونة أفكاري, فمَن اعتبرتُه سابقاً في ثورته العقلية بدأ يُسدي لي النصائحَ بالمجان تخويفاً وتحذيرا.

وقفتُ مع نفسي ملياً, أحاول إقناعها تارةً وإجبارها بالتراجع تارةً أخرى. لكنها تزدادُ إصراراً ورفضاً كلما تذكرتْ أنّ الله خلقنا فُراداً, فترُدّني سائلةً: لماذا خلقك الله فرداً؟ ولماذا ميزك بالعقل؟ ولماذا سجّد لك الملائكة؟ ولماذا سخّر لك الكون؟ ولماذا جعلك خليفته في الأرض؟ ثم لماذا ستُعرض عليه فرداً؟

فأرجع وأقول سبحانك ربي ما خلقت هذا العقل باطلاً.!! إنني أرفض فكرة العبثية, فلم أقتنع أنّ عقلي زيادة في رأسي.!
هكذا فهمت الرسالة عندما علمتُ أنه مذموماً في دين الله مَن لا يستخدم عقله, فزلزلت القرآن زلزالاً حتى جاءتني أخباره "صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون", "أفلا يعقلون", "فهم لا يفقهون".

وبعدها لم تُتِق نفسي السيرَ مع القطيع وإن أزعجتهم فرديتي وآلمتهم أفكاري, هكذا أخبرني "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" لقد قرأته خطاباً تحررياً يُحررني من السير مع القطيع.
أستمعُ لذلك النداء الخفي "وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إلي" فأفزع إلى غربتي وأتمسك في قناعتي, فلن يُعمّر الكون وأنا أُداهن مفسديه, ولن يقف سفك الدماء وأنا أطبل لمريقيه..!

أستمعُ لخطاب ربي كل يوم وكأني المقصود بعينه "يا يحيى خذ الكتاب بقوة" حتى أخذت عصا وِحْدَتي أتوكأُ عليها وأشدّ بها أزرَ عقلي, راكضاً في طريق الرسالة العالمية "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" وأهشُّ بعصايَ على أفكاري التي ألتقطها من ألسنة المفكرين وحكمة الكاتبين, ذلك الأمل والرجاء في "وعجلت إليك ربي لترضى" عجلت إليك بأفكاري واستعمالها في أداء الرسالة وإعمار الكون والحفاظ على الخلائق, فالناس عيال الله أحبهم إلى الله أنفعهم إلى عياله.

تجاهلت بعدها كل الأصوات الهمّازة, المشاءة بين الاستثنائيين بنميم, ليردوهم عن سواء السبيل.
ازددت مناعةً كلما قرأتُ "كل إنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" فلم أعبأ بعدها بكل الأحزاب وعلمتُ "كل حزب بما لديه فرحون" فتمردتُ على كل الأفكار وشكَكّتُ بكل المسلّمات لأني أعلم يوم لا ينفع شيخٌ ولا أمير "إلا من أتى الله بقلب سليم".!

وجدتني لم أتقبل يوماً تلك الأفكار الساذجة التي تدور مع رحا التخلف أينما دار. ولم أتوقف على سطحية المعنى لحظةً, فحفرت كثيراً تحت قصة آدم والتي حملتْ معها كلَّ معاني التمرد والثورة, فلم أقبل أن يمرَ الحدثُ القرآنيُ مُختزَلاً في قصة خطيئةٍ وتوبة حتى تساءلتُ: لماذا جاءت قصة الخطيئة مباشرة بعد تكليف الاستخلاف في الأرض للإعمار ووقف القتال؟ ورغم أن آدم رأى  من آيات ربه ما رأى, فهو الذي كان في جنة المأوى إلا أنه أخطأ.. فلماذا؟!

إن قصة آدم تحمل في مضمونها فكرةً يتحرك بها آدمُ في هذا الكون الواسع وتتضمن أمرين لا بد من تنفيذهما, فالمشهد معقّد للغاية والمهمة كبيرة جداً وتطبيق الفكرة بأدواتٍ بشريةٍ محضة .. والتطبيق يحتاج إلى اجتهاد, والاجتهاد يقودك إلى التفكير في دائرة "المستحيل التفكير فيه" لتطبيق فكرتك أحسن تطبيق … فمن قصة الشجرة أخذ آدم جرأته وقُوّتَه لأن يقتحم العقبة ليكتشف سر الشجرة بنفسه, رغم أن التعاليم الدينية جاءت بالنهي, فأخطأ آدم وتاب فتاب الله عليه وأخذ بعدها حُقنةَ الشجاعة للاجتهاد, فالمجتهد إن أصاب له أجران وإن أخطأ فله أجرٌ واحد. لقد علمني آدم الثورة والاقتحام دون خوف وأعطاني قبسٌ من نور هداية التراجع عند الخطأ, وحينها لا خوفٌ عليّ ولا أنا من الكافرين؟!

ولم يكن لإبراهيم أن يمر سريعاً دون التوقف مع محطته الكبرى في التساؤل الكبير والذي تجاوز فيه دائرة اللامفكر فيه, ليسأل ربَّه: "قال ربي أرني كيف تحيي الموتى"؟!
وجاء بعده موسى والذي ارتقى أشُدَّهُ في الطلب ليصل إلى "قال ربِّ أرني أنظر إليك"!!

من هذه المحطات أتزود ومنها أزداد قوة وبأساً شديد .. فتلك المحطات هي الحديد التي نصنع منه لباساً لنا تقينا من الكتل الدهماء والأفكار الغوغاء, وذلك هو الكتاب المبين الذي لا ريب فيه, والذي فيه شفاءٌ للعقول وآياتٌ للسائلين, فسيحوا فيه أربعة أشهرٍ بين الفاتحة وقل أعوذ برب الناس, تجدون مفاتحَ الأفكار وزادَ الثوار وخارطةَ الأفهام ..!
فيه خبرُ ما قبلكم ونبأ ما بعدكم, ولكنه لكبيرٌ إلا على أصحاب الأبصار..!

مشاركة المقال :